لماذا ما زلت أكتب الكود

في كل مشروع تقريبًا تتكرر اللحظة نفسها. يطلب العميل شيئًا، فيُقال له إن هذا غير ممكن. وأمامي عندها خياران لا ثالث لهما: أن أصدّق، أو أن أفتح الكود وأتحقق بنفسي.

أفتحه. ما زلت أفتحه بعد خمسة وعشرين عامًا، وليس حنينًا.

والآلية بسيطة. إن كنت لا أقرأ الكود فليس أمامي إلا أن أصدّق، والمؤسس الذي لا يملك إلا التصديق يقع في أسوأ نوعين من الالتزام: يَعِد العملاء بما لن يصمد عند التنفيذ، ويقبل «لا» من فريقه في مسائل كانت مزعجة لا مستحيلة. الاثنان متشابهان من بعيد. ومن داخل الكود لا يتشابهان إطلاقًا.

والعكس أهم. أحيانًا يقول المهندس «نعم»، وأعرف من قراءة الكود أن هذه الـ«نعم» تكلّف ثلاثة أسابيع من العنت لم نسعّرها ولم يُحذَّر العميل منها. القدرة على قول ذلك قبل الالتزام أنقذت من المشاريع أكثر مما أنقذ أي شيء ذكي بنيته يومًا.

ولهذا تقبل Wanas Apps أعمالًا يعتذر عنها شركاء آخرون. «غير ممكن» تعني في أغلب الأحيان «غير ممكن بالإعدادات الافتراضية»، وهذه جملة أخرى مختلفة تمامًا. والمسافة بين الجملتين هي المكان الذي يعيش فيه Deluge، وCatalyst، وطبقة وسيطة تكتبها بنفسك لأن أحدًا لم يكتبها لهذه الشركة بالذات. من يقرأ جدول المزايا وحده يرى هناك حائطًا. وليس حائطًا.

فمن أين جاءت هذه العادة؟ من 1998، في القاهرة، وكنت في الثالثة عشرة، والجهاز لم يكن جهازي، ولم يعلّمني أحد. لم تكن هناك دورة تلتحق بها ولا منتدى تلصق فيه رسالة الخطأ. تقرأ ما تجده من وثائق، وتكتب، فتظهر لك رسالة لا تفهمها، فتعكف عليها حتى تفهمها. كانت هذه هي المنهجية كلها، وهي نفسها التي أعود إليها كلما قيل لي «غير ممكن».

وبعد عامين حصلت على جائزة أفضل تطبيق في بطولة مدارس محافظة القاهرة، وكنت في الخامسة عشرة. جاءت بعدها ألقاب وشهادات تبدو أفضل على الورق، لكن تلك الجائزة علّمتني الأصل الذي قام عليه كل ما تلاها: البرنامج إمّا أن يعمل لمن يجلس أمامه أو لا يعمل، وما تقوله بعده لا يغيّر الإجابة.

ثم درست علوم الحاسب في أكاديمية الشروق بين 2001 و2005، وقضيت خمس سنوات في موبينيل في أعمال لا صلة لها بالبرمجة: خدمة العملاء، وإدارة القوى العاملة، وتحليل النقل، وإدارة أنظمة التشغيل. لم يكن في وصف أيٍّ منها سطر برمجي واحد. كنت أكتب الكود على أي حال، لأن كل دور منها كان يغرق في مشكلة يحلّها برنامج صغير ولا يحلّها اجتماع طويل.

ثم خرجت من الاتصالات تمامًا. من 2013 كنت أدير وناس سي إن سي: ماكينات حقيقية، ونشارة حقيقية، ومرتبات تُصرف في موعدها كل شهر. وإلى جانبها وناس للنحت على الخشب. ثم نست كولور، وكالة إعلان في الإمارات حتى 2021. ثماني سنوات في بيع منتجات مصنّعة ولافتات مطبوعة، وظللت أكتب الكود. لا كهواية في العطلات، بل لأنه كان الوسيلة الوحيدة التي تخبرني بما يجري فعلًا داخل شركتي حين تختلف تقارير الفريق عن الأرقام في الحساب البنكي.

وهنا تحديدًا يُساء الفهم. حين يعرف الناس أن المدير العام ما زال يفتح المحرر يفترضون أنها وفاءٌ لصبيٍّ كان يبرمج في القاهرة قبل ربع قرن. ليست كذلك. هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها للإبقاء على نوع محدد من الصدق في متناول يدي.

فلا، ليس حنينًا. الحنين أن تتذكّر كيف كان الشيء يعمل. أمّا أنا فأحاول أن أظل أعرف.